تركة المحبوس ابن المخلوع التى فى «السخنة» ..بقلم :جمال فهمي


جمال فهمي
لم يكن محدثى على الطرف الثانى من الهاتف يتكلم، بل يئن ويصرخ ويهتف بحرقة والْتياع شديدين، حتى إنه نسى فى غمرة انفعاله وغضبه العارم أن 
يقول لى اسمه ومن يكون، لكنى أنا نفسى نسيت سؤاله بعدما نجح أن ينقل لى بسرعة عدوى الغضب والالتياع فرحنا أنا وهو نتبادل الهتاف والصراخ حتى أنهى صديقى المجهول المكالمة بالفقرة الوحيدة الطويلة التى قالها بهدوء منقوع فى خليط من الحزن والحسرة، فقد همس متعبا قبل أن يغلق الخط: «تصور يا أستاذ (فلان) نحن الآن وبعد 55 سنة من تأميم قناة السويس واستعادتها من يد غاصبيها وغاصبينا، صرنا فى مسيس الحاجة لجمال عبد الناصر جديد يخوض بنا معركة تحرر وطنى جديدة، تحررنا من إرث وأغلال النهب والخراب والخيانة، وبيع البلد على الأرصفة للأفاقين والحرامية من كل جنس وأى لون.. من يعيد لنا عبد الناصر ولو لدقائق معدودة يصدر فيها قرارات، أو على الأقل قرارا واحدا باستعادة ميناء السخنة للمصريين الذين بنوه من أموالهم وعرق وشقا ولادهم قبل أن يهديه اللصوص الخونة مقشرا لأصحابهم الحرامية؟!.. آسف للإزعاج، سلامو عليكو».
إذن، كما ترى حضرتك، فإن مكالمة صديقى الذى لم أعرف عنه شيئا إلا أنه من مدينة السويس البطلة، كانت عن مأساة ميناء السخنة التى تنفضح وقائعها المخزية وتتكشف حقائقها المذهلة أمام عيوننا هذه الأيام على نحو يجعلها نموذجا مكتملا وآية بليغة وفاحشة من آيات نهج الخيانة الوطنية والعبث المجرم بمقدرات هذا البلد ومصالحه العليا، ذلك الذى اتبعته وسارت عليه الأسرة العصابة التى حكمتنا وتحكمت فينا ثلاثين عاما.
فهل يصدق العقل أن ميناء السخنة هذا الذى بنته الدولة المصرية بكلفة بلغت نحو 2 مليار جنيه قام الأخ «المحبوس ابن المخلوع» جمال مبارك بإهدائه (مجانا والله العظيم) لاثنين من أصدقائه فاحتكرا وحدهما بيع الخدمات البحرية التى يقدمها؟!
وهل يصدق العقل أن المذكورين أعلاه باعا من الباطن هذه «الهدية» أى ميناء السخنة المصرى (راجع التقرير الممتاز الذى كتبه الزملاء يسرى محمد وحمدى حجازى وحسن غنيمة فى «التحرير» أمس) إلى شركة موانى دبى مقابل نحو 4 مليارات جنيه؟!
ثم أليس يدفع إلى الجنون أن شركة دبى هذه التى رفضت الحكومة الأمريكية -قبل سنوات- دخولها شريكا فى إدارة أحد موانى الولايات المتحدة بحجة «الحفاظ على الأمن القومى الأمريكى» أقامت فى الميناء -الذى شيده المصريون من لحمهم الحى- «دولة» مستقلة تماما عن الدولة المصرية وقوانينها، وتعاملت مع العمال المصريين فى هذا المرفأ الحيوى باحتقار وغطرسة لدرجة أعادت إلى الأذهان ذكرى اغتصاب المستعمرين الأجانب لقناة السويس، فلما ثار عمالنا مطالبين بحقوقهم لم يتردد المحتلون المحتالون الجدد فى إصدار قرار بإغلاق الميناء بالضبة والمفتاح ضاربين عرض الحائط بسيادة السيدة الجليلة مصر على مرافقها وأراضيها، ومستهينين -بفجر- بمصالحنا الاقتصادية التى تضررت ضررا فادحا؟!
غير أن كل هذه الأسئلة الاستنكارية لا بد أن تتراجع وتتوارى خجلا أمام أسئلة أخرى من نوع:
فى أى داهية سوداء ذهبت الجوقة الكئيبة التى صدعت رؤوسنا بالعويل والبكاء على «بسكلتة» الإنتاج التى يدّعون أن فاعليات التظاهر والاحتجاج السلمى المتحضرة تعطلها وتمنعها من الدوران؟! ولماذا خرس أعضاء هذه الجوقة التعبانة فلم نسمع لهم حسا ولا خبرا فى هذا الموضوع؟!
ثم لماذا لم يعامل أسيادنا فى المجلس العسكرى المخربين النهابين الذين ارتكبوا جريمة إغلاق ميناء السخنة، بالقسوة والشدة نفسها التى يعاملون بها شبانا مصريين نبلاء وأنقياء، إذا اعتصموا فى «كعكة ميدان التحرير الحجرية» أو تظاهروا أمام سفارة العدو الإسرائيلى؟!.. هل «الكعكة» أهم وأشد خطرا على أمننا القومى ومصالحنا الوطنية من مرفأ نطل به على العالم؟!

تعليقات

المشاركات الشائعة